وسط كل ما يملأ حياتنا من التزامات، وأصوات، وتوقعات، تبدو العودة إلى الذات كرحلة صعبة لكنها ضرورية. يا صديقي، إنها تلك المحاولة الهادئة لإعادة ترتيب الداخل، لإيجاد مساحة صغيرة تشبهنا في عالمٍ يدفعنا طوال الوقت لأن نكون نسخة من شيء آخر. قد نظن أننا نعرف أنفسنا جيدًا، لكن الحقيقة أن الزحام الذي نعيشه – زحام الأفكار والوجوه والضغوط – قادر على طمس ملامحنا شيئًا فشيئًا، حتى نصحو ذات يوم ولا نجد فينا إلا ما صاغه الآخرون، لا ما أردناه نحن.
العودة إلى الذات ليست انسحابًا من العالم، بل هي تحديد لمكاننا الحقيقي فيه. فحين نركض طويلًا دون توقف، نفقد القدرة على رؤية الطريق، ونظن أن السرعة إنجاز في حد ذاتها. لكنّ السرعة بلا وعي تُشبه الدوران حول نقطة واحدة: حركة كثيرة... وتقدّم قليل. لذلك، يصبح التوقّف أحيانًا خطوة شجاعة، لأنك في لحظة الهدوء، وخصوصًا في رمضان يا عزيزي، تستطيع أن تسأل نفسك: هل أعيش حياتي... أم أؤديها فقط؟
إن العالم اليوم لا يتيح لنا فرصة التفكير، بل يجرّنا جَرًّا إلى مزيد من الانشغال. العمل لا ينتهي، العلاقات تحتاج صيانة دائمة، والمقارنة بالآخرين أصبحت عادة يومية. وفي وسط كل ذلك، يضيع السؤال الأهم: ماذا أريد أنا؟ إن تجاهل هذا السؤال يجعل الإنسان يعيش على “وضع الطيار الآلي”، يتحرك بقرارات جاهزة، ويتفاعل بردود فعل محفوظة، كأنه يسير في حياته من الخارج لا من الداخل. أما لحظة العودة إلى الذات فهي اللحظة التي يُستعاد فيها القرار من جديد، يا صديقي، وهي لحظة ثمينة في رمضان، حين يهدأ الضجيج ويصبح الصوت الداخلي أوضح.
الازدحام ليس فقط كثرة الناس أو المهام، بل ازدحام الداخل أيضًا: أفكار متراكمة، خوف من الفشل، ضغط لإرضاء الجميع، وصوت خفي يخبرنا دائمًا بأننا “متأخرون”. هذا الصوت تحديدًا هو الذي يدفع الكثيرين للابتعاد عن أنفسهم. فحين نخشى مواجهة حقيقتنا، نُفضّل الهروب إلى أي شيء آخر: عمل يزيد، تواصل بلا معنى، أو حتى انشغال مُفتعَل. لكن الهروب لا يُسكت الداخل، بل يجعله أكثر ضيقًا. وحدها المواجهة تُعيدنا إلى نقطتنا الأولى: ما الذي يعنيني فعلًا؟ ومن أريد أن أكون؟
ومن أكبر مظاهر الازدحام في عصرنا هو أن الإنسان بات يعيش حياته كأن هناك جمهورًا يشاهده طوال الوقت. نحن نفكر في كيف سنبدو، قبل أن نفكر في كيف سنشعر. نبحث عن القبول أكثر مما نبحث عن الحقيقة. وهنا تتدخل الفلسفة لا باعتبارها خطابًا نظريًا، بل كمرشد داخلي، يدعونا إلى الصدق مع أنفسنا، إلى الشجاعة في رؤية ما نحاول تجنّبه، وإلى تحمّل مسؤولية حياتنا كما هي، لا كما نتمنى أن يراها الآخرون، يا صديقي القارئ، وهي فرصة رمضانية رائعة لتطبيق ذلك في حياتنا اليومية.
والعودة إلى الذات لا تعني الانعزال، بل تعني إعادة التوازن: أن أعطي العالم ما يستحقه... لكن أعطي نفسي ما تحتاجه أيضًا. أن أتعلم متى أقول “نعم”، ومتى أقول “لا”، ومتى أصمت لأسمع صوتي قبل أصوات الجميع. قد تكون أقصر لحظة صمت كافية لإعادة بناء أسبوع كامل من الفوضى. وقد تكون كلمة “كفاية” بداية فصل جديد تمامًا.
إن أجمل ما في هذه العودة، أنها لا تحتاج إلى ظروف مثالية. يمكن أن تبدأ في لحظة تعب، أو على فنجان قهوة، أو أثناء سير بلا هدف. المهم أن نقرر البدء. فالنفس لا تعود إلينا دفعة واحدة، بل تعود قطعة قطعة: في شعور، في قرار، في راحة بسيطة، في وضوح يظهر بعد غياب. ومع كل قطعة تعود، نسترجع جزءًا من قدرتنا على الفهم، وعلى الاختيار، وعلى الحلم أيضًا، يا صديقي، وهذا ما يجعل رمضان فرصة ثمينة للتأمل وإعادة ترتيب النفس.
وفي النهاية، لن يختفي الزحام من حولنا، لكن يمكننا ألا نغترب عن أنفسنا وسطه. أن نكون كما نحن، لا كما يُراد لنا. فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تأتي من ازدحام يومه، بل من صفاء علاقته بذاته. وحين يجد الإنسان طريقه إلى داخله، يبدأ كل شيء في الاتساق من جديد – لأن العودة إلى الذات ليست رحلة عابرة... بل هي بداية الحياة فعلًا.
********************************
بقلم/ محمد جادالله
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]